هل للوراثة دورٌ في الإصابة باضطراب التوحد؟

اتجه العالم كله في الأعوام الأخيرة إلى الإضاءة على اضطراب "التوحد" الذي يعاني منه نحو 1 بالمائة من سكان العالم، أو 70 مليون شخص، (جهات عدة ترفع النسبة إلى 2%)، إذ يعاني هؤلاء من صعوبة في التفاعل مع محيطهم، وخاصة في التواصل الاجتماعي، يدعوه البعض بـ"المرض"، ويصر الأغلبية من الباحثين على أنه "اضطراب".

فإضافة إلى إنشاء المراكز المختصة (بضمنها المنطقة العربية)، صار الحديث عنه من "سياسات" الكثير من وسائل الإعلام المختلفة، وإن كان العديد منها (خاصة في المنطقة العربية) ما زال يتناوله بنوع من "الإثارة" بدلا من العلم والمعرفة.


برنامج "عالم سمسم" الشهير، والذي يعد أهم برامج الأطفال من حيث عدد المشاهدة في العالم منذ 50 عاماً، أضاف إلى شخصياته مؤخرا دمية تحمل اسم "جوليا"، وتعاني من هذا الإضطراب، وستبدأ "جوليا" عملها اعتبارا من الشهر القادم في تلفزيونين أمريكيين.

يهدف إدراج الشخصية الجديدة إلى تعليم الأطفال غير التوحديين فهم وقبول زملائهم التوحديين، فبدلا من الغضب والإهمال لأنها لا تشاركهم ألعابهم، سيسعون إلى أن يوجدوا ألعابا ممتعة لهم ومتناسبة معها.

يرتفع عدد الأشخاص المصابين به باضطراد، لكن من غير المعروف إن كان سبب هذا الإرتفاع انتشار المعرفة الحديث حوله لدى عموم الناس، أم أنّ حالات الإصابة به هي فعلاً في ازدياد.

وغالبا ما تظهر أعراضه لدى الأطفال في سن مبكرة، قبل العام الثالث من العمر.

وبصفته اضطراباً، ليس له علاج، إلّا أن التعامل المبكر مع الطفل المصاب به، يساعد على تخفيف آثاره وتحسين إمكانية الطفل على التفاعل والتواصل، خاصة مع تطور معرفة الأهل به وعدم استنكارهم له.
إذ كان الأطفال التوحديين يعانون مرتين، مرة من الإضطراب نفسه، ومرة من الضغط النفسي والعاطفي الذي يتلقونه من الأهل الذين لا يفهمون ماذا يحدث، ولماذا طفلهم ليس حيويا كباقي الأطفال.

تتمظهر عوارض هذا الاضطراب بشكل رئيسي في مجالات ثلاثة:
- العلاقات الإجتماعية: إذ ينحو الطفل التوحدي إلى البقاء وحيداً، دون أن يشارك في اللعب مع أقرانه أو مع أسرته، ولا ينظر إلى من يكلمه مباشرة، ولا يستجيب عندما يسمع اسمه، يرفض العناق والتلامس المباشر.
- اللغة: يبدأ الطفل التوحدي نطق الكلمات في وقت متأخر أكثر من أقرانه، ولا يستخدم اللغة في التواصل إلا نادراً، وبمفردات قليلة جداً، رغم أنه يفهم جيداً ما يقال، وقلما يستخدم جملاً طويلةً، وقد يكرر مفردات أو تراكيب محددة دون أن يبدو عليه فهم ما يفعله، ويستخدم نظره في الإشارة إلى ما يريد.
- السلوك: يعتمد الطفل التوحدي على "سلة" من الحركات المتكررة (كالتلويح باليدين، أو هز الرأس) دون سبب مفهوم، ويبدي ردود أفعال غاضبة على أي تغير مفاجئ في محطيه، وينزعج بشدة من الإضاءة الشديدة والصوت العالي.

عدد قليل من الأطفال التوحديين عبر العالم يطورون إمكانيات ذاتية للتواصل الإجتماعي عندما يكبرون، وقلة نادرة تظهر مهارات استثنائية في مجالات كالرياضيات أو الموسيقى.

لا أحد يعرف على وجه اليقين أسباب هذا الإضطراب، لكن بعض العلماء يشيرون إلى أسباب جينية تؤثر على نمو الدماغ وتطوره، وبشكل خاص على طريقة تواصل الخلايا الدماغية بعضها مع بعض.

آخر الدراسات التي تشير إلى الجانب الجيني هذا، دراسة أعدها فريق في معهد العلوم والتكنولوجيا في النمسا، قالت: إنه حدد "سببا وراثيا جديدا" لهذا الإضطراب.

وقالت الدراسة التي نشر موقع "ناسا بالعربي" ترجمة ملخصة عنها إنّها لاحظت وجود علاقة بين طفرة جينية تؤدي إلى تقليل معدل الأحماض الأمينية ما يؤثر سلبا على تصنيع البروتين في الخلايا العصبية، الأمر الذي يعد سببا في انخفاض التفاعل الإجتماعي وتغيرات السلوك المرتبطة به.

في حالة ثبوت هذه العلاقة، فقد تكون القاعدة المعروفة حتى الآن من أنّه لا يمكن "العلاج" من اضطراب التوحد على حافة الإنتهاء، فقد نصل إلى يوم نكون فيه قادرين على تعديل الآثار البيولوجية الناتجة عن هذا الجين، أو معالجته نفسه.

ومن غير المعروف في هذه الدراسة أو ما سبقها مما يؤكد السبب الجيني لبعض اضطرابات التوحد، إن كان ينتقل وراثيا أم لا، خاصة أن الإضاءة الحقيقية عليه ما تزال حديثة نسيبا، الأمر الذي يعني صعوبة تتبّع العلاقة الوراثية عبر الملاحظة والرصد، لكن يبدو أن الأسر التي في تاريخها حالات توحد أكثر قابلية لإصابة طفل جديد فيها، خاصة مع ملاحظة أن الأسر التي لديها أطفال توحديون أظهرت أنّ أحد الأبوين يعاني أصلا من ضعف في بعض المهارات النمائية.

كما يبدو أنّ إنجاب الرجال فوق سن الأربعين يلعب دورا أيضا، فأطفال هؤلاء يصابون بهذا الإضطراب أكثر بـ 6 مرات من الآباء تحت سن الثلاثين، فيما لم تظهر أي علاقة بسن الإنجاب لدى الأم.

ومؤخرا صار من الممكن الكشف عن التوحد في سن مبكرة جداً عبر تحليل للدم، دراسة أمريكية قالت إنّ فحصاً تجريبياً أظهر إمكانية كشف 96% من حالات التوحد، لكن النتيجة ما تزال غير أكيدة، فقد شملت الدراسة 83 طفلاً فقط ترواحت أعمارهم بين 3 و10 سنوات.

بعض الباحثين يرى أن للعوامل البيئية، إلى جانب الوراثية، دورا في هذا الإضطراب، هؤلاء يبحثون عن احتمال أن يكون هناك فيروس ما، أو تلوث بيئي (خاصة الهواء)، هو السبب الخفي وراء هذا الاضطراب، لكن هذا الرأي ما زال فرضية لم يجر تقديم أي تأكيد عليها.

البعض الآخر يبحث في احتمالات أخرى كأن تكون مشاكل مخاض الولادة سببا أو محفزا، أو مشاكل الجهاز المناعي (خاصة ما يتعلق بالتهاب اللوزات التي تعد الخط الدفاعي الأول للجسم).

في وقت سابق ركز الكثير من الباحثين على احتمال أن تكون اللقاحات التي يأخذها الطفل لحمايته من العديد من الأمراض، كالحصبة والحميراء، والتي كانت تحتوي على كمية ضئيلة جداً من "الزئبق"، سبباص في ذلك.
لكن هذه المادة ألغيت من اللقاحات منذ زمن، ومع ذلك ما زالت أعداد المصابين بالإضطراب مستمرة في الزيادة.

يعتمد "علاج" التوحد حتى الآن، بشكل أساسي على رصد الإضطراب في أبكر فترة ممكنة من حياة الطفل، ومن ثم القيام بما يسمى "تدخل مبكر" يقوم على ثلاثة محاور رئيسية، هي العمل على تمكين الطفل من بعض المهارات السلوكية، وتحسين قدرته على النطق، وتقديم المعارف المناسبة له بوسائل غير تقليدية.

يقوم بهذا العلاج مختصون مدربون، إلّا أنّه يجب على الأسرة أن تتمكن من هذه المهارات نفسها، فالوقت الذي يمكن للطفل أن يقضيه مع المعالج المختص هو وقت قليل جدا قياسا بحاجته اليومية لتفاعل صحيح من قبل الأهل.

وقلما يلجأ الأطباء والمعالجون إلى الأدوية الكيميائية، وحين يستخدمونها تكون مساعداً فقط وفي بعض الحالات.

تغيب الأرقام الرسمية وغير الرسمية كليا عن الدول العربية، فلا أحد يعرف حتى تقديرياً عدد المصابين بهذا الإضطراب لا على مستوى دولة بعينها ولا على مستوى العالم العربي ككل.

مع ذلك، يمكن الملاحظة بوضوح من خلال المتابعة للأخبار أنّ الإهتمام بهذا الاضطراب مختلف بشدة بين بلد وآخر، ففي لبنان وسورية وبعض دول الخليج بات يحظى باهتمام شديد، وأضيفت أقسام خاصة به إلى العديد من مراكز التدخل المبكر، كما اهتمت أغلب الجمعيات المتعلقة بأشكال الإعاقة المختلفة به، أما في دول أخرى فما زال على هامش اهتمامات الجهات الرسمية والمجتمع معا.

التوحد اضطراب شائع أكثر بكثير مما نراه، وقد يكون طفلنا مصابا به أيضا، فمن الضروري أن نعرف أنّ هذا الاضطراب ليس "عارا"، ولا يعني أن طفلنا التوحدي "أقل" من غيره، بل أن نعي الأهمية الحاسمة لقبولنا حالته الخاصة، ولتطوير معارفنا ومعلوماتنا وآليات تعاملنا معه، حتى لا نكون عقبة في حياته.


إعداد: بسام القاضي
2017/3/25

التالي
« السابق
الأول
التالي »

تعليقك مسؤوليتك.. كن على قدر المسؤولية EmoticonEmoticon